عبد الرزاق اللاهيجي

26

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر بأنّه مخلوق محدث . « 1 » وقد سارع نائبه ببغداد إلى تنفيذ ما أمر به ، لكنّه تجاوز الحدّ السلبي إلى الحدّ الإيجابي فأحضر المحدثين والفقهاء فسألهم عن عقيدتهم حول القرآن ، وأعلن الكلّ عن اعتناق ما كتبه المأمون سوى أربعة ، فأصرّوا على عدم كون القرآن مخلوقا وهم : « أحمد بن حنبل » ، و « محمد بن نوح » ، و « القواريري » ، و « سجادة » فشدوا بالوثاق . لكن الكلّ رجعوا عن عقيدتهم إلّا اثنان وهما : ابن نوح وأحمد بن حنبل ، فسيقا إلى طرطوس ليلتقيا بالمأمون ، ومات الأوّل في الطريق ، وبقي أحمد ، وبينا هم في الطريق مات المأمون وترك وصية بها من بعده أن يؤخذ بسيرته في خلق القرآن ، وقد تولى الحكم المعتصم ثمّ الواثق فكانا على سيرة المأمون في مسألة خلق القرآن . « 2 » ولمّا تولّى المتوكّل الحكم انقلب الأمر وصارت الظروف مناسبة لصالح المحدثين ، وفي هذا الجو أعلن إمام الحنابلة عقيدته في القرآن بالقول بعدم كونه مخلوقا . وقال محقّق كتاب « الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار : الحديث في القرآن وكلام اللّه من أهمّ المشاكل التي عرضت لمفكري الإسلام . وقد أثارت ضجة كبيرة في صفوف العلماء والعامة ، وارتبطت بها محنة كبيرة تعرف بمحنة الإمام أحمد بن حنبل ، وكان شعار النظريتين المتنازعتين « هل

--> ( 1 ) . تاريخ الطبري : 7 / 196 ، والرسالة مبسوطة . ( 2 ) . تاريخ المذاهب الإسلامية : 294 - 296 بتلخيص .